Le temps de lecture est d'environ minutes.
مشى على رمل شاطئ حلق الوادي بتونس العاصمة. مشى طويلاً، لا لكي يصل إلى نهاية، بل ليتأكد أن البحر لا يزال يتقن مهنة "المحو". كان يلتفت خلفه كل بضع خطوات، يراقب كيف تبتلع الأمواج آثار أقدامه ببرودٍ ملفت للأنظار. أخذ يمشي فوق الرمال المبتلة دون أن تترك خلفه جرحاً في ذاكرة التراب.
ثم جلس في ركن منسي من مقهى قديم يطلّ على البحرٍ، على ضفاف أمواج لا تهدأ ولا تنام، جلس يراقب احتراق سيجارة في منفضة على طاولة قبالته. لم يكن يدخن، لكنه أحس بالدخان يسكن رئتيه. كان يتأمل كيف يتحول الوجود إلى رماد بصمتٍ مهيب وحزن عميق. أخرج بقبضة مرتعشة من جيبه مسودة قديمة، كلماتٌ صفراء خطها حين كان يافعا أخضر البنان، كأنها جُمعت من بقايا خريف حياته الذي لم ينتهِ وربيعه الذي لم يرد له القدر أن يبدأ. كان يظن لسنوات أن الكلمات بإمكانها ملأ الفراغات بحياة ذات معنى، كان يحسب أنه كان بإمكانه ترويض قلقه الوجودي بالكلمات، أو أن يغزل من أوجاعه نصاً يشبه الحرير في انسيابه. لكنه اليوم، وهو يشعر ببرودة الغياب تتسلل إلى مفاصله، أدرك أن فعل الكتابة ليس في الكلمات بل في "المحو"، أدرك أنه يسكن في الجوانب البيضاء من الورقة.
أمسك بالقلم برجفة خفيفة، ولم يضف سطراً واحداً. بدلاً من ذلك، بدأ يشطب أسماء المدن والأمصار التي لم يزرها، والنساء اللواتي لم يحبهن، والوعود التي لم تكتمل والأشياء التي لم يقتنيها والأمنيات التي لم تتحقق. ومع كل كلمة يمحوها، كان يشعر بخفة غريبة، كأن جسده يبتعد عن الأرض، كأن أكياسا من الإسمنت أزيحت من على كتفيه، كأنه منطاد صغير خف حمله ليقدر على الطيران لأول مرة.
أدرك أن الكتابة الحقيقية هي أن يتحرر المرء من رغباته، في أن يكون "شيئاً جميلا" في ذاكرة الآخرين. أن يقبل بكونه مجرد عابر سبيل في حياة الغرباء، بصمة ريح على زجاج نافذة الجيران، أو مرهما يبعد صرخة مكتومة لعليل في جوف ليل طويل.
عندما فرغت الورقة تماماً، وصارت بيضاء كفجرٍ صادق، طواها وجعل منها طائرة ورقية، ثم أطلقها الى موج البحر. وبينما كانت الأمواج تبتلع الورقة، أحس لأول مرة بأن روحه هي التي طفت كالريش فوق الرماد، وأن السجن لم يكن يوماً في الجدران، بل في الكلمات التي ظن أنها ستنقذه.
نظر إلى البحر في ابتسامة خفيفة وقال في سره: "الآن فقط، إكتمل النص، الآن انتهت الحكاية".
Comments est propulsé par CComment