Ecrits littéraires

A propos des écrits
Rechercher dans le site
  • Tounes 2201

    Extrait de mon livre "Rouge et blanc" Nous sommes en 2201, près d’un siècle après la Grande guerre qui a Lire la suite
  • La petite rose

    La petite rosechante dans les champsun poème en prosepour qu'une brave brisevienne en courantsans lâcher prise Lire la suite
  • Le voyage

    Je partirais volontiers loin des rivages visiter la terre à l’envers Je partirais en sage, en pèlerin Conquérir, tant soi Lire la suite
  • 1
  • 2
Cet article contient mots
Le temps de lecture est d'environ minutes.

مشى على رمل شاطئ حلق الوادي بتونس العاصمة. مشى طويلاً، لا لكي يصل إلى نهاية، بل ليتأكد أن البحر لا يزال يتقن مهنة "المحو". كان يلتفت خلفه كل بضع خطوات، يراقب كيف تبتلع الأمواج آثار أقدامه ببرودٍ ملفت للأنظار. أخذ يمشي فوق الرمال المبتلة دون أن تترك خلفه جرحاً في ذاكرة التراب.

ثم صعد درج الشاطئ وجلس في ركن منسي من المقهى القديم المطلّ على البحرٍ، على ضفاف أمواج لا تهدأ ولا تنام. نظر إلى البحر والافق مطولا ثم جلس يراقب احتراق سيجارة في منفضة على طاولة قبالته. لم يكن يدخن، لكنه أحس بالدخان يسكن رئتيه. كان يتأمل كيف يتحول الوجود إلى رماد بصمتٍ مهيب وحزن عميق. أخرج بقبضة مرتعشة من جيبه مسودة قديمة، كلماتٌ مدونة على ورقة صفراء خطها حين كان يافعا أخضر البنان، كأنها جُمعت من بقايا خريف حياته الذي لم ينتهِ وربيعه الذي لم يرد له القدر أن يبدأ. كان يظن لسنوات أن الكلمات بإمكانها ملأ الفراغات بحياة ذات معنى، كان يحسب أنه كان بإمكانه ترويض قلقه الوجودي بالكلمات، أو أن يغزل من أوجاعه نصاً يشبه الحرير في انسيابه. لكنه اليوم، وهو يشعر ببرودة الغياب تتسلل إلى مفاصله، أدرك أن فعل الكتابة ليس فقط بالكلمات بل أيضا في "المحو"، أدرك للمرة الأولى أنه يسكن في الجوانب البيضاء من الورقة.

أمسك بالقلم برجفة خفيفة وروح ضائعة، ولم يضف سطراً واحداً ولا حتى كلمة واحدة. بدلاً من ذلك، بدأ يشطب أسماء المدن والأمصار التي لم يزرها، والنساء اللواتي لم يحبهن، والوعود التي لم تكتمل والأشياء التي لم يقتنيها والأمنيات التي لم تتحقق. ومع كل كلمة يمحوها، كان يشعر بخفة غريبة، كأن جسده يبتعد عن الأرض، كأن أكياسا من الإسمنت أزيحت من على كتفيه، كأنه منطاد صغير خف حمله ليقدر على الطيران لأول مرة.

أدرك في لحظة صفاء ساحر أن الكتابة الحقيقية هي أن يتحرر المرء من رغباته وإنتظاراته، في أن يكون "شيئاً جميلا" في ذاكرة الآخرين. أن يقبل بكونه مجرد عابر سبيل في حياة الغرباء، بصمة ريح خفيفة مباركة على زجاج نافذة الجيران، أو مرهما يبعد صرخة مكتومة لعليل في جوف ليل طويل.

عندما فرغت الورقة تماماً، وصارت بيضاء كفجرٍ صادق، طواها وجعل منها طائرة ورقية صغيرة، ثم أطلقها بكل ما أوتي من قوة إلى موج البحر. فطارت بأناقة  وشموخ كبيرين متعالية على موج الحياة  ثم سقطت وبينما كانت الأمواج تبتلع الورقة تدريجيا ، أحس لأول مرة بأن روحه هي التي طفت كالريش فوق الرماد وكالزبد فوق الأمواج، وأدرك وللوهلة الاولى أن السجن لم يكن يوماً في الجدران، بل في الكلمات التي ظن أنها ستنقذه.

نظر إلى البحر في ابتسامة خفيفة و دمعة يتيمة تنسكب ببطء على وجنته اليمنى وقال في سره: "الآن فقط، إكتمل النص، الآن انتهت الحكاية".

Comments est propulsé par CComment

Pages reliées

الألم الجميل
الألم الجميل Extrait de mon livre "صفاء الروح" الألم الجميل يسكن الخوارق ويذلل الفوارق ويسهل الولوج إلى السماء ويمهد الجبال ويزرع الورد في التلال الألم الجميل يحطم العوا...
أشكال هندسية
أشكال هندسية Extrait de mon livre "صفاء الروح" إستشعرت جميع الأشكال الهندسية في الردهات في الشرفات على القبب وفي المساجد إلا شبه المنحرف لم تقع عليه عين فنان وأحسب أنه في ...
جني المصباح
جني المصباح Extrait de mon livre "صفاء الروح" عقلي تنين أحمر وفؤادي جني المصباح وكلامي حكايات الأجداد و بنات أفكاري أساطير بلاديوتاريخي كله في كلمة أحملها على صهوة جوادي ...